عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
288
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
كذلك كان هذا الشعر شكوى من الحرمان وتصويرا لحياة الشعب وما يجري فيها من بؤس واقلال ومسغبة . فهو مادة شعبية جديرة بالاهتمام وجميعها لا تصور لنا فقط الحياة الاجتماعية والاقتصادية للعصر العباسي في العراق أو في الولايات التي انشقت عنه وانما تصور لنا أيضا ما حدث من تطور في اللغة الشعبية بالقياس إلى الفصحى سواء في جوانبها اللغوية أو في ظواهرها الأسلوبية . انها أشعار تنساق مع العفوية وعدم التكلف ، تخاطب الجمهور بهذه اللغة السهلة لكي يشاطره آلامه ويرافقه في أحاسيه ، وما آلامه هذه الا جزء من آلام الشعب الذي كان يعيش بطبقاته الكادحة الفقيرة هذا الحرمان ، ألم يكن هذا الشعر لجحظة « 1 » شكوى عامة ، يمكن لكل فرد من الطبقة الشعبية أن يرددها مئات المرات كل يوم : الحمد للّه ليس لي كاتب * ولا على باب منزلي حاجب ولا حمار إذا عزمت على * ركوبه قيل جحظة راكب ولا قميص يكون لي بدلا * مخافة من قميصي الذاهب وأجرة البيت فهي مقرّحة * أجفان عيني بالوابل الساكب إن زارني صاحب عزمت على * بيع كتاب لشبعة الصاحب لقد رضيت هذه الطبقة بواقعها إذ لا رجاء ولا أمل في تغييره فلتكفّ عن طيبات الحياة لأنها لم تخلق لها . ولترض بأتفه الطعام وأرخص الشراب . هذا جحظة يتكلم بلسان الشعب فيقول : إني رضيت من الرحيق * بشراب تمر كالعقيق ورضيت من أكل السمي * د بأكل مسود الدقيق ورضيت من سعة الصح * ون بمنزل ضنك وضيق « 2 » هذا البؤس اضطر كثيرا من الشعراء أن يحترفوا مهنة أخرى إلى جانب الشعر ، فجحظة مثلا كان طنبوريا ، ولولا صنعته الطنبورية لعاش معدما ومع أنه نادم بعض الخلفاء الا أنه كثيرا ما كانت الأبواب توصد في وجهه . وكذلك الشاعر الخبز أرزي « 3 » الذي
--> ( 1 ) انظر ترجمته في ص ( 217 ) من هذا الكتاب . ( 2 ) ذيل زهرة الآداب : ص 149 . ( 3 ) الخبز أرزي : اسمه نصر بن أحمد . شاعر بصري ، كان لا يقرأ ولا يكتب وكان يخبز خبز الأرز في دكانه . ويقول المسعودي عنه : « أحد المطبوعين المجودين في البديهة المعروفين بالغزل » ويقول عنه أيضا « أكثر الغناء المحدث في وقتنا هذا من شعره » توفى سنة 330 ه .